أحمد بن محمد ابن عربشاه

326

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وهذا السلطان ؛ قد عاهد الرحمن أن لا يمزق حيوان ، ولا يذوق لحمان ، وأن يقنع بالكفاف « 1 » ويسلك طريق العفاف ، وما ذاك لعجز ينسب إليه ، ولا لوهن طرأ عليه ؛ بل سمت همته عن ذلك ترفعا ، وسلك طريق الملوك في إحياءهما ومعاليها تطبعا وبضدها تبين الأشياء ، فإن أجبتم كان لكم الحظ الأوفر ، وإن امتنعتم فقد أعذر من أنذر ، وبلّغ من حذر ، وما قصر من بصر ، والعاقل من يتبصر عيوبه ويسلك من الخلق الجميل دروبه ، وقد قيل لأمير النحل ذاك الأسد الفحل كرم الله وجهه ، وجعل له إلى الرضوان أحسن وجهه يا أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين ممن تعلمت الأدب ؟ قال : من قليل الأدب ؛ يعنى إذا رأيت في أحد خلقا ذميما أو وصفا فسدا بادرت إلى افتقاد نفسي ، وتأملت في حدسى وحسى هل أنا محلى بذلك الوصف أم لا ، فإن لم يكن اجتهدت أن لا يكون ، وإن كان أبعد عنه عرضى وأصون ، وحسبك يا ذا الرتبة العالية استنكاف اللص العاقل من قول تلك الزانية . فقالت الخزز للحمامة : أخبريني بذلك الاستنكاف يا ذات الكرامة [ 54 ] [ اللص والزانية : ] قالت الحمامة : ذكر رواة الأخبار عن شاطر من الشطار ، قد بلغ في الشطارة واللصوصية غاية المهارة ، يسرق الوهم من الخاطر ، والرائحة من الطيب العاطر ، والنوم من أجفان الوسنان « 2 » ، واللماظة « 3 » من أسنان الجيعان ، ويأتي على كوامن الغيوب فضلا عن خزائن الجيوب ، ويلف الرخيص والغالي والوضيع والعالي ، وقد أعجز المقدّم والوالي . ففي بعض الأوقات قصد جهة من الجهات ، فبينما هو في المناهضة

--> ( 1 ) أقل القليل . ( 2 ) من اشتد نعاسه . ( 3 ) ما يبقى في الفم بعد الأكل .